أيُّما أفضل للرَّجل أن يُمَكَّنَ أو يُبتلى؟

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «وأكمل الخلق عند الله من كمَّل مراتب الجهاد كلِّها، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله خاتم أنبيائه ورسله، فإنَّه كمَّل مراتب الجهاد، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وشرع في الجهاد من حين بُعث إلى أن توفَّاه الله عز وجل، فإنَّه لَمَّا نزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّر * قُمْ فَأَنذِر * وَرَبَّكَ فَكَبِّر * وَثِيَابَكَ فَطَهِّر[المدَّثر:1-4] شمَّر عن ساق الدَّعوة وقام في ذات الله أتمَّ قيام، ودعا إلى الله ليلاً ونهارًا وسرًّا وجهارًا، ولَمَّا نزل عليه:﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ[الحِجر:94]، فصدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومةُ لائمٍ، فدعا إلى الله: الصَّغيرَ والكبير، والحرَّ والعبد، والذَّكر والأنثى، والأحمر والأسود، والجنَّ والإنس. ولَمَّا صدع بأمر الله وصرَّح لقومه بالدَّعوة وناداهم بسبِّ آلهتهم وعَيبِ دينهم؛ اشتدَّ أذاهم له ولِمَن استجاب له من أصحابه، ونالوه ونالوهم بأنواع الأذى، وهذه سنَّة الله عز وجل في خلقه؛ كما قال تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ[فُصِّلَت:43]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ[الأنعام:112]، وقال: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُون[الذاريات:52-53].
فعزَّى ـ سبحانه ـ نبيَّه بذلك وأنَّ له أسوة بمَن تقدَّمه من المرسلين، وعزَّى أتباعه بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيب[البقرة:214]، وقوله: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين *أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُون * مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم * وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ الله لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُون * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِين * وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله فَإِذَا أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ الله وَلَئِن جَاء نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِين * وَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِين[العنكبوت:1-11].
فليتأمَّلِ العبدُ سياق هذه الآيات وما تضمَّنته من العبر وكنوزِ الحِكَم؛ فإنَّ النَّاس إذا أرسل إليهم الرُّسل بين أمرين: إمَّا أن يقول أحدهم: آمنَّا، وإمَّا ألاَّ يقول ذلك، بل يستمرُّ على السَّيِّئات والكفر، فمن قال: آمنَّا، امتحنه ربُّه وابتلاه وفتنه، والفتنة: الابتلاء والاختبار ليتبيَّن الصَّادقُ من الكاذب، ومن لم يقل: آمنَّا، فلا يحسب أنَّه يعجز الله ويفوته ويسبقه؛ فإنَّه إنَّما يطوي المراحل في يديه.
وكـيـف يَـفِـرُّ الـمرء عنـه بذنبـه
إذا كان تطوى في يديه المراحل
فمن آمن بالرُّسل وأطاعهم؛ عاداه أعداؤهم وآذوه، فابتلي بما يؤلمه.
وإن لم يؤمن بهم، ولم يطعهم عُوقِبَ في الدُّنيا والآخرة، فحصل له ما يؤلمه، وكان هذا المؤلم له أعظم ألَمًا وأدوم من ألم اتِّباعهم، فلابدَّ من حصول الألم لكلِّ نفس آمنت أو رَغِبَتْ عن الإيمان، لكنَّ الْمؤمنَ يحصل له الألم في الدُّنيا ابتداءً ثمَّ تكون له العاقبة في الدُّنيا والآخرة، والمعرض عن الإيمان تحصل له اللَّذَّة ابتداءً ثمَّ يصير إلى الألم الدَّائم.
وسُئل الشَّافعي :: أيُّما أفضل للرَّجل أن يُمَكَّنَ أو يُبتلى؟
فقال: لا يمكَّنُ حتَّى يُبْتَلَى، والله تعالى ابْتَلَى أولي العزم من الرُّسل، فلمَّا صبروا؛ مَكَّنَهم.
فلا يظنُّ أحدٌ أنَّه يخلص من الألم البتَّة، وإنَّما يتفاوت أهل الآلام في العقول، فأعقلهم من باع ألَمًا مستمرًّا عظيمًا بألم منقطع يسير، وأشقاهم من باع الألم المنقطع اليسير بالألم العظيم المستمرِّ»(10).
ويقول الإمام محمَّد البشير الإبراهيمي رحمه الله: «لسنا نجهل هذا من سنن الله، فلمْ نَشُكَّ لحظةً منذ وضعنا قدَمنا في طريق الإصلاح الدِّيني ورفعنا الصَّوت بالدَّعوة إليه في أنَّ الله سيديل للحقِّ من الباطل، وأنَّه يبتلي أولياءه بالأذى والمحنة؛ ليمحِّصهم ويكمِّل إعدادهم للعظائم، ولم نزل على يقين تتجدَّد شواهده أنَّ في المصائب الَّتي تصيبنا في سبيل الإصلاح شحذًا لهممنا وإرهافًا لعزائمنا وتثبيتًا لأقدامنا، وإلفاتًا للغافلين عنَّا إلى موقعنا من الأمَّة وموقفنا من أعدائها، وقد أَلِفْنَا هذه المكائد الَّتي تُنصب لنا حتَّى ما نُبَالي بها، وأصبح حظُّنا من «الكشف» أن نعلم من أوائلها أواخرَها، ومن مقدِّماتها نتائجَها، وإنَّنا لنبتهج بالمصيبة تصيبنا في سبيل الإصلاح أضعاف ما يبتهج غيرُنا بالطَّيِّبات والمسارِّ، ونعدُّ كبيرَها مهما أعضل وآذى صغيرًا هيِّنًا، وخفيَّها مهما أفظع وبَغَت ظاهرًا جليًّا، ونأسى لإغبابها عنَّا كما يأسى الممحِل للجدب، ونرتقب إلْمامها بساحتنا كما يرتقب غيرُنا النِّعم والخيرات، لعلمنا أنَّ المعاني التي تتركها في نفوسنا هي المعاني الَّتي نَصْبُو إليها، وأنَّ تمرُّسنا بها بابٌ من أبواب الرُّجولة وسبيل من سبلها» اهـ(11).
فهذه عبر من سيرته ﷺ وما لاقاه من قومه من الأذى والمحاربة والتَّشويه، وليس أحد أكرم على الله منه، وقد لاقى ما لاقى، وما ذلك إلاَّ ليمكِّنه ربُّه، ويكون أسوة حسنة لمن جاء بعده من دعاة الحقِّ في الصَّبر على مشاقِّ الدَّعوة وتحمُّل تبعاتها، والله مُتِمٌّ نوره ولو كره الكافرون، والحمد لله ربِّ العالمين.




(1) «زاد المعاد» (2 /58).
(2) «آثار الإبراهيمي» (1 /276).
* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 11»


from منتدى اللمة الجزائرية
يتم التشغيل بواسطة Blogger.