نوفمبر....امانة الاجيال

إنها الجزائر...بلد الشهداء، بلد ريحه طيب و طعمه مر، من أراد به أو بأهله سوءا أذاقه الله الخزي و المهانة، وقطعت يداه قبل أن يمس شعرة لأمنا الرؤوم الحنانة، نعم إنها الجزائر...أم الأبطال، أبطال بالأمس و رموز حفرت أسماؤهم في ذاكرة الحاضر، رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، رجال أبو إلا أن يكونوا فداءا لتحيا الجزائر في كنف الحرية؛ لنمشي فوق أرضها الطاهرة و ننعم بخضرة عشبها و عذوبة مائها ونقاء هوائها بكل حرية و سعادة لا يكدرها حاسد متربص أو عدو ظالم مغتصب، و في لحظة عرفان، خفقت قلوبنا لمن استشهدوا من اجلنا و من أجل أن تعيش الجزائر حرة مستقلة فراحت ألسنتنا و حواسنا تلهج بالدعاء واستذكار مناقب من كانوا سببا في عيشتنا الهنية اليوم، وخلدنا مآثرهم و بطولاتهم في الفاتح من نوفمبر في كل عام كذكرى لانطلاق ثورة الشعب الجزائري الأبي الذي رفض أن يعيش في الظلم و الطغيان فكانت أرواحهم ثمنا غاليا لتعيش الجزائر حرة و يعيش أبناؤها في سلام فكانت ومازلت الجزائر أمانة غالية في أعناق أجيال الاستقلال.
وقفت ذات يوم انتظر الحافلة المتوجهة إلى قرية جبلية أين تقطن عمتي وذلك لزيارتها كما دأبت دائما و إذ ببصري ينطلق عنانه، وفي جمال بلادي يتيه خيالي بين خضرة الأرض وألوان الأزهار الزاهية وسيمفونية احتفال صنعتها الطيور و العصافير في الأجواء تشدوا لحن الحرية و نسيم عليل يروي الجسم حيوية و انتعاشا، و ما هي إلا لحظة حتى توقفت الحافلة أمامي و فتح بابها فركبت وألقيت التحية ثم اتخذت لي مكانا في الكراسي الخلفية، فجلست بجانب رجل في العقد الخامس من عمره تقريبا، بدت على ملامحه علامات الرزانة و الوقار، ابتسم في وجهي وراح يسألني عن وجهتي و عن أصول والدي بحكم معرفته الجيدة للمنطقة، وكان ثلاثة أولاد من تلاميذ المدرسة الابتدائية يجلسون في الأماكن المقابلة يرتدون المآزر البيضاء ويحملون كتبا وكراريس لاغتنام ما أمكن من وقت لحفظ ومناقشة دروسهم وقد بدا عليهم التعب و قلة النوم فسألهم الرجل عن أحوال دراستهم و تحضيراتهم للامتحانات فأجاب أولهم وقال: لقد تعبنا ياعمي في التحضير للامتحانات الفصلية الأولى للعام الأخير في المدرسة الابتدائية، وللبداية الجيدة أهمية كبيرة في اختتام العام بنجاح و المرور للطور المتوسط بإذن الله، وقال أوسطهم: أنا أنتظر العطلة الشتوية بشغف عسى أن ارتاح أو ألعب وأمرح بعد طول عناء في الفصل الدراسي الأول، وقال ثالثهم: بعد غد يوم عطلة، يوم الفاتح من نوفمبر، سنرتاح فيه قدر الإمكان، ثم تبسم الرجل وشجعهم على مواصلة المجهود الدراسي وقال: أقدر لكم يا أولادي الصغار حرصكم و طموحكم في التحصيل العلمي و لكن ماذا يعني لكم تاريخ الفاتح من نوفمبر؟ فردوا جملة واحدة: إنه يوم اندلاع ثورة التحرير ضد المستعمر الفرنسي، فسألهم مرة ثانية: وكيف يمر عليكم و ماذا تفعلون في هذا اليوم؟ فأجابوا بعفوية: يوم عطلة نلعب ونمرح فيه من الصباح إلى المساء. سكت الرجل قليلا وكأن ذاكرته غاصت بعيدا في أدراج الماضي وقال: سأروي لكم مشهدا مازال محفورا في ذاكرتي ولن أنساه ما حييت، لقد كنت ابن العاشرة في مثل عمركم يا أولادي الصغار وكانت ثورة التحرير في أوّج قوتها وعنفوانها وكان بالقرية الجبلية مركز من مراكز المجاهدين حيث تعقد اجتماعات التنسيق و التخطيط وجمع التبرعات واقتسام الغنائم على الفقراء و المحتاجين كما يتم دعوة سكان القرية و المداشر المجاورة على كافة أطيافهم صغارا و كبارا نساء وولدانا لتلقينهم مبادئ الثورة التحريرية و تعزيز روابط اللحمة و التآزر بين أفراد الشعب الواحد لأنها في النهاية كانت ثورة شعب قال كلمته وليست مجرد عصابات كما ادعى المستعمر الفرنسي. كنت مع بضع وعشرين طفلا تحت الشجرة نحفظ القران الكريم وكانت أصواتنا تتعالى كلما ازدادت ثقتنا بأنفسنا وكان المعلم يقوّم ويصحح لمن أخطأ في كل مرة ومن يعيد الخطأ مرة أخرى يجد له عصا تكرمه بضربة على رأسه في الحين، فلما أمست الشمس، تفرق الجمع و جاءت جدتي لطلبي فأخذت بيدي و قالت لي: سنذهب الآن إلى مركز المجاهدين أين ستسمع الأناشيد الوطنية كي تحفظها وتلقنها لإخوتك الصغار، فانتابني شعور بأن مفاجأة تنتظرني فرحت طوال الطريق شاردا بخيالي و متشوقا للحدث، و ما هي إلا نصف ساعة حتى وصلنا للمكان و إذ بالجمع الغفير يلتف حول المجاهدين، يتبادلون التحية و العناق فرحا بلقاء بعضهم البعض و انطلقت زغاريد النسوة و علا هتاف الترحيب وفي غمرة هذا كله راح احد المجاهدين الأبطال يردد نشيد " إخواني لا تنسوا الشهداء ..." فانساق الجميع وراءه للنشيد مرددين، و توالت الأناشيد و بعد فترة تقدم أحد أسود الجزائر خاطبا فينا و إني لأخاله قائدهم، وبعد تمجيد الشهداء و الثناء عليهم و الدعاء لهم تقدم من الجمع و قال: أتدرون ما الحرية؟ أتدرون ما الحرية يا إخوتي ويا أخواتي؟ و راح يخاطب عقولنا البسيطة وقال: الحرية أن يكون لكل واحد منكم مسكنه الخاص، الحرية أن تضغط على الزر الكهربائي فتنير البيت، أن تفتح الحنفية و تمد يديك لتشرب منها، أن تستريح ببيتك، ما من أحد يروعك و يطرق بابك ولا أخر يعكر أو ينغص صفو عيشتك وتنام قرير العين في بيتك، أن تزرع أرضك و تنعم بغلتها لا تخاف سلبا و لا نهبا...، إنها الكلمات التي حفرت في ذاكرتي يا أولادي الصغار، لقد أراد أن يرغب في الحرية بذكر نعمها و فوائدها، فأبرز خصالها ووقع تأثيرها في حياة الفرد الذي لطالما عانى من قهر و ظلم المستعمر، نعم يا أولادي الصغار لقد ضغطوا على الزر و استشهدوا لينيروا لنا درب الحرية، لقد قالوا إن أرواحنا و أموالنا و كل ما نملك فداء للوطن، لتعيش الجزائر حرة طول الزمن، فأي ثمن أغلى من هذا الثمن يا أولادي الصغار؟ لقد افترشوا الحجر و تبللوا بالمطر وباتوا ليالي و أيام و هم جوعى و تجاوزوا الصعاب و النوائب و جاهدوا و ضحوا بأنفسهم لتحيا الجزائر وليعيش أبناء الوطن اليوم في سخاء و رخاء، أليس حريا بنا يا أولادي أن نذكرهم دائما و ندعو لهم و نقف لهم تقديرا و عرفانا لما فعلوه من أجلنا؟
فأحسست حينها بالدمع ينزل من عيني و نظرت للأولاد فإذا بأعينهم قد اغرورقت ورؤوسهم انحنت و قالوا: بلى ياعمي لهم منا أسمى معاني الحب و التقدير و العرفان لما فعلوه من اجلنا، ثم قال أحدهم: الآن وقد فهمت، فإن جدي و هو مجاهد كان ولازال دائما يذهب في ليلة الفاتح من نوفمبر للاحتفال و لا يعود إلا في وقت متأخر من الليل، كما يحضر في النهار لمختلف التظاهرات الثقافية و المحاضرات المخلدة لثورة نوفمبر المجيدة، لاصطحبنه هذه المرة و لأذهبن معه لإحياء عيد الثورة تخليدا لذكرى شهدائنا الأبرار، وقال أوسطهم: إن جدي مات شهيدا في ميدان الشرف ومازالت جدتي إلي يومنا هذا تزور قبره وتذكرنا بخصاله و شجاعته و كانت دائما تذهب في صباح الفاتح من نوفمبر إلى مقبرة الشهداء المحاذية لدار البلدية لزيارة قبره و الترحم على روحه الطاهرة فقررت هذه المرة أن أذهب معها لنزور قبره معا و ندعو له ولجميع الشهداء بالرحمة والمغفرة، أما ثالثهم أردف قائلا: سأسهر اليوم حتى منتصف الليل، لحظة انطلاق أول رصاصة معلنة بداية ثورة نوفمبر، وسأرفع يداي و أقرا فاتحة الكتاب و أدعو لشهداء الوطن بالرحمة والمغفرة ثم اخلد إلى النوم. تبسم الرجل وقال: أحسنتم يا أولاد هكذا كونوا أوفياء لشهداء نوفمبر، محبين لوطنكم الجزائر فإن هم خاضوا معركة التحرير بالأمس فعليكم اليوم أنتم خوض معركة البناء و التشييد بالمثابرة في التحصيل العلمي والرقي لأعلى المراتب بين الأمم لأن العلم و التكنولوجيا من أقوى الأسلحة التي تصنع الفارق بين الشعوب، تبسم الأولاد و قالوا: سنسعى في طلب العلم جاهدين، و لأمانة الشهداء حافظين، وبمستقبل زاهر حالمين، و إذ بقابض الحافلة ينادي: محطة المدرسة يا أولاد...هيا انزلوا بسرعة، فهرول الأولاد و جمعوا أغراضهم و كتبهم بسرعة و تأبطوا حقائبهم المدرسية و نزلوا من الحافلة و هم يلوحون بأيديهم للرجل و الابتسامة تغمرهم. بعد مدة من سير الحافلة نزل الرجل في المحطة التالية وألقى التحية وغادر، ثم جلست مع نفسي أحدثها، وأراجع كلام الرجل فأدركت حينها حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الأجيال القادمة وثقل الحمل الذي تركه لنا شهداؤنا الأبرار، فحب الوطن من أسمى وأنبل الصفات التي يجب أن يتحلى بها الفرد منذ نعومة أظافره حتى آخر رمق في حياته، ومن شبّ على شيء شاب عليه، نعم يا أبناء الوطن الحبيب، إنها الجزائر...أمانة الشهداء، و الأمانة حمل ثقيل فوق أكتافنا، فاحفظوا الأمانة و صونوا الوديعة و دافعوا عنها حتى آخر قطرة من دمائكم.


from منتدى اللمة الجزائرية
يتم التشغيل بواسطة Blogger.