بحث حول النهضة العربية - السنة الثالثة ثانوي شعبة اداب و فلسفة و شعبة لغات اجنبية

مقدمة :
منذ سقوط بغداد على يد التتار و الأدب العربي يشهد تراجعا حثيث الخطى ، على مدى الأحقاب المتتابعة حتى إنطفئت شعلته ، وبهت بريقه إلا من وميض باهت ينبعث من حين إلى آخر من بين دجور الظلام الذي عمّ الحياة الأدبية بفنونها المختلفة . و تطرأ على حياة الأمم تغيرات تنقلها من حال إلى حال ، فإذا كان هذا التغير من سيء إلى حسن و من ضعف إلى قوة سمي ذاك نهضة وعكسه الانحطاط ، فقد تبدل هذا الحال في أواخر العقد الأخير من القرن الثامن عشر إذ أفاق الأدب العربي من سباته وتحرر من جموده وبفضل هذه النهضة أستعاد الأدب حيويته و أصبح عاملا من عوامل تكوين الأمة و رافدا من روافد تقدمها وازدهارها ، و أوّل نهضة جرت في العالم الإسلامي سنة 1157 هجري ، و كانت نهضة دينية رفعت مستوى الفكر و السياسة و الأدب ، فعم نفعها على جزيرة العرب و غيرها .

تعريف النهضة العربية :

النهضة العربية هي مصطلح تاريخي يعود إلى حركة عمت البلاد العربية سنة 1820 – 1914 م وهي تنبه العرب إلى ماضيهم ، و إدراكهم واقعهم المتخلف و سعيهم لإحياء الماضي بما فيه من أصالة و تراث عربي إسلامي ، والعمل على تجاوز التخلف من أجل بناء مستقبل أفضل .
عوامل النهضة العربية :
تقضي نواميس الكون و سننه أنّ لكل حدث عوامل تسهم في ظهوره و تساعد على تطوره ، و استنادا إلى هذا المفهوم فإنّ لهذه النهضة العربية عوامل عدّة أسهمت في بزوغ فجرها و هي :
1/ اليقظة الوطنية :
إستيقضت مصر و الأمّة العربية بعد الحملة الفرنسية من سبات عميق ، و فتحت عيونهم على حضارة جديدة لم يعهدوها من قبل وتبين لهم أنّ مستعمر اليوم أكثر خطرا على قيم الأمة ومعتقداتها و نتيجة هذه الحملة هو :
-إيقاظ الروح الوطنية القومية و الاعتزاز بها .
-الاندفاع إلى طلب المعرفة و الاستفادة منها .
-التمسك بهوية الأمة و الدفاع عنها .
و هكذا بدأت أولى الخطوات نحو نهضة شاملة .
2/ الاتصال بحضارة العصر :
وفّر الاتصال بالحضارة العصرية التي كانت سائدة دفعة قوية للاستمرار بالنهضة الحديثة و نموها و شمولها لعدد من جوانب الحياة ، و كان لجهود محمد علي باشا أثر كبير في الاتصال بهذه الحضارة والاستفادة من علومها و معارفها و قد تحقق من هذا الاتصال الآتي :
أ ـ انتشار التعليم الحديث .
ب ـ البعثات العلمية .
ج ـ الترجمة .
د ـ الطباعة والصحافة .
ه ـ الإستشراق : فقد أسهم المستشرقون في خلق نهضة أدبية في الوطن العربي من خلال نشرهم عددا من المخطوطات و الكتب القديمة بعد التحقق منها و مراجعة أصولها فقد تحقق عدد من المزايا التي أسهمت في النهضة وهي :
ـ انتشار التعليم و تحسين نوعيته و تعدد مشاربه .
ـ تعاظم الانفتاح على الثقافة العالمية .
ـ الإطلاع على كنوز المعرفة العلمية و الرؤى الفكرية العالمية من خلال الترجمة
ـ الاستفادة من وسائل المعرفة الحديثة كالطباعة .
ـ إسهام المستشرقين في التنبيه إلى قيم التراث و ضرورة حمايته .
أمّا الأدب بصورة خاصة فقد تحقق له الآتي :
ـ إثراء اللغة بمصطلحات علمية معربة .
ـ العناية بالأسلوب و رقة اللفظ و سلاسته .
ـ ظهور الشعر القصصي و التاريخي .
ـ ظهور الفن المسرحي بنوعيه الشعري و النثري .
3/ إحياء التراث :
يعد هذا العامل أهمّ العوامل و أشدّها تأثيرا في التحولات التي واكبت عصر النهضة .
مظاهر النهضة العربية :
1/ حركات الإصلاح الإسلامي :
قامت في الوطن العربي حركات إسلامية عدّة ، حاولت النهوض بالعرب و المسلمين بإزالة عوامل التخلف التي لحقت بها من جراء انتشار البدع و الخرافات التي التصقت بالإسلام و قد ركزت هذه الحركات على ما يلي :
ـ ضرورة العودة إلى القرآن و السنة كأساس لوحدة المسلمين .
ـ تنقية الدين الإسلامي من الشوائب التي علقت به عبر العصور .
ـ فتح باب الجهاد ضدّ الاستعمار .
و قد ساهمت هذه الحركة في إحداث النهضة الفكرية عند العرب .
2/ الاتجاه الوطني :
من معاني الوطنية حبُّ الوطن و التمسك به و الانتماء إليه و قد ساعدت مجموعة من العوامل على ظهور هذا الاتجاه ألا وهي :
ـ انتشار التعليم .
ـ إرسال البعثات العلمية إلى أوروبا
ـ نشاط حركة الترجمة والتأليف .
و أبرز من مثّل هذا الاتجاه : الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي أسس مدرسة الألسن في مصر ـ و بطرس البستاني الذي طرح شعار " حبُّ الوطن ِمن الإيمان ِ "
2/الاتجاه العربي الإسلامي :
شهد الربع الأخير من القرن التاسع عشر مرحلة من أخطر المراحل ، ذلك أنّ الدولة العثمانية التي كانت سائرة في طريق التدهور و الانحدار ، تعرضت لما لم تتعرض له في الماضي من تجزئة و من انفصال بعض ولاياتها . كما ازداد تدخل الدول الأجنبية الكبرى عليها فلجأ السلطان إلى التشديد في الرقابة ولاسيما على الولايات الغربية .
أعلام النهضة العربية :
أعلام النهضة العربية كثيرون ومن بنهم :
ـ أحمد لطفي السيد ـ العربي التبسي ـ الفضيل الورتيلاني ـ بطرس البستاني ـ جمال الدين الأفغاني ـ حمزة شحاتة ـ عباس محمود العقاد ـ عبد الحميد بن باديس ـ عبد الرحمان الكواكبي ـ مصطفى لطفي المنفلوطي ـ محمد البشير الإبراهيمي ـ شبلي شميّل ـ نيقولا حداد ـ الإمام محمد عبده ـ أبو راس النّاصري .
ومن أبرزهم : ميخائيل نعيمة و إيليا أبو ماضي .
1/ ميخائيل نعيمة (1889 – 1988 )

حياته :
مفكر عربي وهو من الجيل الذي قاد النهضة الفكرية والثقافية وأحدث اليقضة وقاد إلى التجديد ، وهو شاعر و قاص مسرحي و ناقد وكاتب مقال وفيلسوف في الحياة والنفس الإنسانية .
ولد في جبل صنين في لبنان سنة 1889 أنهى دراسته المدرسية في الجمعية الفلسطينية و أكمل سنوات الجامعة في أوكرانيا ثم أكمل دراسة الحقوق في الولايات المتحدة الأمريكية ، انظم إلى الرابطة القلمية التي أسسها أدباء العرب و كان نائبا لجبران خليل جبران فيها ، لقب بناسك الشخروب ، توفي في 22 فيفري 1988 .
قصصه :
نشر نعيمة مجموعته القصصية الأولى سنة 1914 بعنوان "سنتها الجديدة " وله رواية وحيدة بعنوان "مذكرات الأرقش" ومن مسرحياته مسرحية "الآباء و البنون" ومسرحية "أيوب"
مؤلفاته :
كثيرة نذكر منها : اليوم الأخير ـ هوامش ـ زاد المعاد ـ في الغربال الجديد ـ الباعة المتجولون .
شعره :
له مجموعة شعرية وحيدة هي "همس الجفون" نذكر منها :

دخل الشيطان قلبي فرأى فيه ملاك
وبلمح الطرف ما بينهما اشتّد العراك
ذا يقول البيت بيتي فيعيد القول ذاك
وأنا أشهد ما يجري ولا أبدي حراك
سائلا ربي : أفي الأكوان من ربّ سواك
جبلت قلبي من البدء يداه و يداك
لست أدري أرجيم في فؤادي أم ملاك

2/ إيليا أبو ماضي (1889 – 1957)

حياته :
شاعر عربي لبناني يعتبر من أهم شعراء المهجر ، ولد إيليا في لبنان وهاجر إلى مصر ، أجبره الفقر على ترك الدراسة ، نشر قصائده في مجلات لبنانية صادرة في مصر أهمها "العلم" ، و تعرف إلى الأديب أمين تقي الدين الذي تبانه ونشر له أولى أعماله ، توفي سنة 1957 .
أهم أعماله :
تفرغ إيليا إلى الأدب و الصحافة و أصدر عدّة دوواين منها :" تذكار الماضي ـ الجداول ـ الخمائل ـ الغابة المفقودة" .
أهم العوامل المأثورة في شعره :
أحاطته الطبيعة منذ طفولته بأشكال الجمال فتعلم حبّ الطبيعة وتعلق بمناجاتها ،نشأ في قسوة الفقر فجعلت منه رسولا للفقراء ، فكتب عن المساواة الاجتماعية ، وتشرد في الغربة ومن التشرد تعلم الوفاء للوطن ، وكان أبو ماضي منغمسا في علاقته مع رواد النهضة العربية وقادة الفكر التحرري الأدبي فاستفاد منهم و بنى منهجه الشعري و أسلوبه الأدبي ، كان النقاد يلقبونه بشاعر الأمل و التفاؤل .
من شعره :
نضم قصائد كثيرة نذكر من بينهم قصيدة أيا الشاكي .

أيا الشاكي
أيها الشاكي وما بك داءٌ كيف تغد إذا غدوت عليلا
إنّ شر الجُناة في الأرض نفس تتوفى قبل الرحيل الرّحيلا
وترى الشوك في الورود و تعمى أن ترى فوقها إكليلا
هو عبء على الحياة ثقيل من يرى في الحياة عبئا ثقيلا
و الذي نفسه بغير جمال لا يرى في الوجود شيئا جميلا

خاتمة :
أردنا أن نجعل من هذه الاضبارة وسيلة عمل ممتعة و ناجعة في آن واحد ، نأمل أن نفيد بها و نستفيد و لو بالقليل بالتعرف على عوامل النهضة العربية و الأدبية و مظاهرها وأهم أعلامها،ولكون هذا العمل إنجازا بشريا فإنّه لا يخلو من النقائص ، وعليه فإننا نتقبل بكل اهتمام انتقادات زملائنا و أستاذنا الفاضل ، التي تهدف إلى إثراء و تحسين مشروعنا هذا و المشاريع القادمة إن شاء الله ، وهم مشكرون مسبقا على ذلك .


from منتدى اللمة الجزائرية
يتم التشغيل بواسطة Blogger.